أحمد مصطفى المراغي
40
تفسير المراغي
والخلاصة - إنكم كنتم عن سماع آياتي معرضين ، مستعظمين بأنكم خدام البيت وجيرانه ، فلا تضامون ، وتهذون في أمر القرآن وتقولون فيه ما ليس فيه مسحة من الحق ، ولا جانب من الصواب . ثم أنّبهم على ما فعلوا وبيّن أن إقدامهم عليه لا بد أن يكون لأحد أسباب أربعة فقال : ( 1 ) ( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ) أي إنهم لم يتدبروا القرآن فيعلموا ما خصّ به من فصاحة وبلاغة ، وقد كان لديهم فسحة من الوقت ، تمكنهم من التدبر فيه ومعرفة أنه الحق من ربهم ، وأنه مبرأ من التناقض وسائر العيوب التي تعترى الكلام - إلى ما فيه من حجج دامغة ، وبراهين ساطعة ، إلى ما فيه من فضائل الآداب ، وسامى الأخلاق ، إلى ما فيه من تشريع إن هم اتبعوه كانوا سادة البشر ، واتبعهم الأسود والأحمر ، كما كان لمن اتبعه من السابقين الأولين من المؤمنين . ( 2 ) ( أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ) أي أم اعتقدوا أن مجىء الرسل أمر لم تسبق به السنن من قبلهم ، فاستبعدوا وقوعه ، لكنهم قد عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تترى وتظهر على أيديهم المعجزات ، فهلّا كان ذلك داعيا لهم إلى التصديق بهذا الرسول الذي جاء بذلك الكتاب الذي لا ريب فيه . ( 3 ) ( أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) أي أم أنهم لم يعرفوا رسولهم بأمانته وصدقه وجميل خصاله قبل أن يدّعى النبوّة ؟ كلا ، إنهم لقد عرفوه بكل فضيلة ، وشهر لديهم باسم ( الأمين ) فكيف ينكرون رسالته ، ولقد قال جعفر بن أبي طالب رضى اللّه عنه للنجاشي : إن اللّه بعث فينا رسولا نعرف نسبه ، ونعرف صدقه وأمانته ، وكذلك قال أبو سفيان لملك الروم حين سأله وأصحابه عن نسبه ، وصدقه وأمانته ، وقد كانوا بعد كفارا لم يسلموا . ( 4 ) ( أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ ) أي أم إن به جنونا فلا يدرى ما يقول ، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلا وأثقبهم ذهنا وأوفرهم رزانة .